تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

منصات التواصل الإجتماعي

في ظل التحول الرقمي المتسارع، تُسجّل سلطنة عُمان حضورًا لافتًا في توظيف وسائل التواصل الاجتماعي كإحدى الأدوات المحورية لتعزيز المشاركة المجتمعية، وفتح قنوات تواصل مباشرة وشفافة بين الحكومة والمجتمع. لم تعد هذه المنصات مجرد وسيلة لنشر الأخبار، بل غدت فضاءً تفاعليًا يمكّن المواطنين والمقيمين من إيصال أصواتهم والمساهمة الفعلية في صياغة السياسات العامة وتطوير الخدمات الحكومية.

ويأتي هذا التوجه امتدادًا لرؤية عُمان 2040، التي تُولي أهمية كبيرة لتمكين المجتمع وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة، عبر حوكمة رقمية حديثة تقوم على التفاعل المستمر مع أفراد المجتمع، وإشراكهم في مسار اتخاذ القرار الحكومي. من خلال هذا النهج، تؤكد سلطنة عُمان التزامها بتعزيز ثقافة المشاركة الرقمية الفاعلة، وجعل المواطن شريكًا حقيقيًا في تطوير الأداء الحكومي وصناعة المستقبل.

شهدت المؤسسات الحكومية نموًا ملحوظًا في الحضور الرقمي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تمتلك غالبية المؤسسات حسابات نشطة على منصات رئيسية مثل فيسبوك، وإنستغرام، إكس، ويوتيوب، كما تتواجد 16 مؤسسة حكومية من أصل 57 مؤسسة على منصة لينكدإن، في خطوة تعكس توسع الجهات الحكومية نحو منصات مهنية أكثر تخصصًا، تعزز حضورها الرقمي في فضاءات التواصل المؤسسي الحديثة. وتُبرز عدة مؤسسات حكومية اهتمامًا متزايدًا بالتواصل الرقمي من خلال تشغيل أكثر من حساب على المنصة الواحدة، ليصل إجمالي عدد حساباتها النشطة إلى نحو 15 حسابًا، ما يعكس تنوع الرسائل واتساع نطاق التفاعل مع فئات متعددة من الجمهور.

تعتمد هذه الجهات على نهج رقمي مؤسسي فعّال لإدارة حضورها على وسائل التواصل الاجتماعي، يشمل إنشاء فرق متخصصة لإدارة الحسابات الرسمية، وتدريبها على سياسات التواصل الرقمي الحديثة مثل "سياسة التواصل الاجتماعي" و "دليل المشاركة المجتمعية". وفي هذا الإطار، نظّمت وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، بالتعاون مع الجهات المختلفة، ورش عمل تأهيلية استهدفت تطوير مهارات الكوادر العاملة في هذا المجال. ومن أبرز هذه الجهود: تدريب 80 موظفًا من هذه الجهات على إدارة المحتوى الرقمي والتفاعل مع الجمهور بفاعلية، والمساهمة في بناء حوار حكومي رقمي منفتح يعكس توجهات الدولة نحو التواصل التشاركي وتحقيق رضا المجتمع.

وتُفعّل هذه الفرق منظومة عمل شاملة تقوم على النشر المنتظم للمحتوى التوعوي والإخباري، والتغطيات الإعلامية المباشرة، والتجاوب مع استفسارات المواطنين، مما يساهم في تعزيز الشفافية وبناء الثقة. وقد برز هذا التفاعل الرقمي بوضوح في حملات وطنية مثل #شوركم و #التزم_ضريبيًا، التي استندت إلى آليات المشاركة المجتمعية الرقمية من خلال الاستطلاعات والاقتراحات الإلكترونية، وأسهمت فعليًا في تحسين السياسات وتطوير الخدمات.

تُعد حملات التواصل الاجتماعي أداة استراتيجية فعّالة تستخدمها المؤسسات الحكومية للتفاعل مع المجتمع، ونقل الرسائل بطرق مبتكرة تُشرك المواطنين في القضايا الوطنية بشكل مباشر وتفاعلي. وتُجسد حملتا "شوركم" و "التزم ضريبيًا" هذا الدور  الريادي الذي تتبناه سلطنة عُمان في توظيف وسائل التواصل الاجتماعي كمنصات تفاعلية لتعزيز المشاركة المجتمعية وصنع القرار. فمن خلال حملة #شوركم التي أطلقتها وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، فُتِح باب النقاش المجتمعي حول قضايا تقنية وتشريعية مثل حماية الأطفال في الفضاء السيبراني والبيانات المفتوحة، عبر جلسات حوارية إلكترونية، واستطلاعات رأي، وتفاعل مباشر مع الجمهور على منصات مثل إكس وإنستغرام. وقد شكّلت الحملة مساحة حقيقية لإيصال صوت المواطن إلى صُنّاع القرار، وأسهمت في تطوير توجهات الوزارة بما يتماشى مع احتياجات المجتمع.

أما حملة "التزم ضريبيًا" التي أطلقها جهاز الضرائب، فقد قدّمت نموذجًا متقدمًا للتوعية الرقمية، حيث استخدمت وسم #التزم_ضريبيًا لنشر محتوى مرئي ومكتوب عبر المنصات الرسمية ووسائل الإعلام الاجتماعية، إلى جانب التعاون مع مؤثري التواصل الاجتماعي لتعزيز الوصول إلى فئات مختلفة من المجتمع. وقد تضمنت الحملة استبانات إلكترونية، ورسائل نصية، ومقاطع توعوية متعددة اللغات، ما مكّن أفراد المجتمع من فهم واجباتهم الضريبية والمساهمة في رفع نسب الامتثال الطوعي.

وتؤكد هاتان الحملتان نجاح الحكومة العُمانية في تحويل وسائل التواصل الاجتماعي إلى أدوات فعّالة للمشاركة الإلكترونية، تتجاوز التوعية التقليدية إلى تفعيل المجتمع في تطوير السياسات والخدمات، لحوكمة تشاركية أكثر انفتاحًا وشفافية.

لم يعد التفاعل الاجتماعي عبر المنصات الرقمية في سلطنة عُمان مجرّد وسيلة تواصل، بل أصبح أداة مؤثرة معتمدة لدى المؤسسات الحكومية لتطوير الخدمات وصنع القرار الحكومي. كما أن 92% من السكان يتفاعلون يوميًا عبر هذه المنصات، وساهمت ردود الفعل، والتعليقات، والمقترحات التي تُبث يوميًا عبر حسابات هذه المؤسسات في رسم سياسات أكثر استجابة لاحتياجات المجتمع، وتصميم خدمات أكثر سلاسة وملاءمة للمستخدمين. كما وفّرت هذه التفاعلات قاعدة بيانات حقيقية تمكّن صُنّاع القرار من قراءة توجّهات المجتمع وتوقّع تحدياته، حيث تُعتمَد آراء الأفراد مباشرة في تحسين إجراءات، وتبسيط خدمات، وحتى مراجعة لوائح وسياسات، ما يؤكد أن الحكومة الرقمية ليست فقط تحوّلًا تقنيًا، بل شراكة حقيقية بين المواطن والدولة.

يُجسّد التوجه العُماني في إدارة وسائل التواصل الاجتماعي نقلة نوعية في العلاقة بين الحكومة والمجتمع، حيث تتبنى المؤسسات الحكومية نهجًا يقوم على التفاعل الذكي والاستجابة السريعة، بما يرسّخ ثقافة المشاركة الرقمية كعنصر أصيل في العمل المؤسسي. ومن خلال الاستثمار في المحتوى التوعوي، وتوسيع دائرة الاستماع للمواطن، استطاعت سلطنة عُمان أن تضع منصات التواصل الاجتماعي في قلب عملية التطوير والتحسين المستمر، مؤكدةً أن التواصل الرقمي ليس أداة إعلامية فحسب، بل ركيزة لتصميم مستقبل أكثر شمولًا وكفاءة.